ابن كثير

234

البداية والنهاية

المروحة من يدها وجعل يروحها ويقول : أصابك من الحر ما أصابني . وقال له رجل : جزاك الله عن الاسلام خيرا . فقال : بل جزى الله الاسلام عني خيرا . ويقال إنه كان يلبس تحت ثيابه مسحا غليظا من شعر ، ويضع في رقبته غلا إذا قام يصلي من الليل ، ثم إذا أصبح وضعه في مكان وختم عليه فلا يشعر به أحد ، وكانوا يظنونه مالا أو جوهرا من حرصه عليه ، فلما مات فتحوا ذلك المكان فإذا فيه غسل ومسخ . وكان يبكي حتى يبكي الدم من الدموع ، ويقال إنه بكى فوق سطح حتى سال دمعه من الميزاب ، وكان يأكل من العدس ليرق قلبه وتغزر دمعته ، وكان إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله ، وقرأ رجل عنده ( وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين ) الآية [ الفرقان : 13 ] ، فبكى بكاء شديدا ثم قام فدخل منزله وتفرق الناس عنه ، وكان يكثر أن يقول : اللهم سلم سلم ، وكان يقول : اللهم أصلح من كان في صلاحه صلاح لامة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأهلك من كان في هلاكه صلاح أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقال : أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم . وقال : لو أن المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر حتى يحكم أمر نفسه لتواكل الناس الخير ، ولذهب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة . وقال : الدنيا عدوة أولياء الله ، وولية أعداء الله ، أما الأولياء فغمتهم وأحزنتهم ، وأما الأعداء فغرتهم وشتتتهم وأبعدتهم عن الله . وقال : قد أفلح من عصم من المراء والغضب والطمع . وقال لرجل : من سيد قومك ؟ قال : أنا ، قال : لو كنت كذلك لم تقله . وقال : أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب . وقال : لقد بورك لعبد في حاجة أكثر فيها سؤال ربه ، أعطي أو منع . وقال : قيدوا العلم بالكتاب ، وقال لرجل : علم ولدك الفقه الأكبر : القناعة وكف الأذى . وتكلم رجل عنده فأحسن فقال : هذا هو السحر الحلال . وقصته مع أبي حازم مطولة حين رآه خليفة وقد شحب وجهه من التقشف ، وتغير حاله ، فقال له : ألم يكن ثوبك نقيا ؟ ووجهك وضيا ؟ وطعامك شهيا ؟ ومركبك وطيا ؟ فقال له : ألم تخبرني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن من ورائكم عقبة كؤودا لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول " ؟ ثم بكى حتى غشي عليه ، ثم أفاق فذكر أنه لقي في غشيته تلك أن القيامة قد قامت ، وقد استدعى بكل من الخلفاء الأربعة ، فأمر بهم إلى الجنة ، ثم ذكر من بينه وبينهم فلم يدر ما صنع بهم ، ثم دعي هو فأمر به إلى الجنة ، فلما انفصل لقيه سائل فسأله عما كان من أمره فأخبره ، ثم قال للسائل ، فمن أنت ؟ قال : أنا الحجاج بن يوسف ، قتلني ربي كل قتلة قتلة ، ثم ها أنا أنتظر ما ينتظره الموحدون . وفضائله ومآثره كثيرة جدا ، وفيما ذكرنا كفاية ولله الحمد والمنة ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة لنا إلا به . ذكر سبب وفاته رحمه الله كان سببها السل ، وقيل سببها أن مولى له سمه في طعام أو شراب ، وأعطي على ذلك ألف